أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

104

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

والعصم : مصدر عصمه أي مسكه . وقوله تعالى : فَاسْتَعْصَمَ « 1 » أي تحرّى ما يعصمه ويمنعه من ركوب الفاحشة كأنه طلب ما يعتصم به . والعصام : ما يشدّ به ويربط . ومنه : عصام القربة ، والجمع عصم وأعصمة . ومنه الحديث : « جمل مقيّد بعصم » « 2 » . والعصمة : ما يبقى من آثار البول على أفخاذ الإبل . وعصام : علم منقول منه . وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام عبارة عن حفظ اللّه تعالى إياهم من كلّ كبيرة وصغيرة ورذيلة ، وعمّا خصّهم به من صفاء جوهرهم ، وبما نقّاهم من درن طبائع البشر . وفي الصحيح ما يبين ذلك من شقّ صدره عليه الصلاة والسّلام وإخراج ما ذكره عليه الصلاة والسّلام منه وغسله بالماء والثلج وحشوه وملئه بالحكم . فكلّ هذا من العناية الرّبانية بهم ، وإلا فالبشر من حيث هو بشر يعجز عن اكتساب مثل هذه الأشياء ، ولا تجيء إلا بالفيض الإلهيّ خلافا لمن ضلّ وزعم أنّ النّبوات تكون بالاكتسابات وبما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ، وبالنصرة وتثبيت أقدامهم بما أنزله عليهم من السكينة وربط الجأش ، حتى إنّ موسى عليه السّلام يجيء إلى فرعون وهو يدّعي الربوبية ، وقد ربّاه في حجره والناس كلّهم مذعنون لربوبيته مقرّون بالإلهية إلا من عصم اللّه ، ويكذّبه ويوبخه ، ما ذاك إلا لقوله : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى « 3 » . وأعجب من ذلك قصة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم مع سائر الخلق إنسهم وجنّهم بمفرده ليس له معين غير مرسله . وفي الحديث : « إن جبريل جاء يوم بدر على فرس أنثى وقد عصم ثنيّته الغبار » « 4 » . قال / القتيبيّ : صوابه « عصب » أي يبس . والمعصم : من الكوع إلى المرفق . قال النابغة « 5 » : [ من الطويل ] فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت * بأحسن موصولين : كفّ ومعصم وكأنّه أجري مجرى الآلة التي تعصم . والأعصم : الغراب لبعض البياض الذي فيه في نوع منه ؛ وفي الحديث : « لا يدخل من النساء الجنة إلا مثل الغراب الأعصم » « 6 » قال

--> ( 1 ) 32 / يوسف : 12 . ( 2 ) النهاية : 3 / 250 . ( 3 ) 46 / طه : 20 . ( 4 ) النهاية : 3 / 249 ، ويقول ابن الأثير : « والميم فيه بدل من الباء » . ( 5 ) البيت ليس للنابغة وإنما هو لأبي حية النميري كما في البيان والتبيين : 2 / 229 . ( 6 ) النهاية : 3 / 249 ، وفي الأصل تقديم وتأخير صوّبناه .